نافذة نفتحها للقراء لتقديم أفكار للنقاش، نأخذ في كل مرة إحداها و نطلب منهم المشاركة بأفكارهم حول موضوعها
مقدمة:
لا تختلف الثورة العباسية من حيث الأهمية عن غيرها من ثورات القرن الثامن عشر: الأمريكية 1776 والفرنسية 1789 والقرن العشرين: الثورة الروسية 1917 والايرانية 1979 وثورات أوربا الشرقية، وبالمقابل ما بات يعرف بثورات القرن الواحد والعشرين ابتداء، بالثورات الملونة في جورجيا وأوكرانيا وقيرغيزيا، وانتهاء بالعالم العربي اليوم: ثورتي تونس ومصر.
لقد كان للثورة الامريكية أن تضع الأساس لأعظم دولة في التاريخ المعاصر وأن تقضي على موجات الاستعمار الأوربي بشكل قاطع، كما كان للثورة الفرنسية أن تكون بمثابة نقطة البداية لتجسيد الوعي الأوربي وبلورة أفكار التنوير التي احتضنت بذور مشروع الحداثة الغربي الذي لا تزال تجلياته قائمة إلى يومنا هذا.
كما مثلت كل من الثورة الروسية والايرانية على التوالي معالم أول ثورة شيوعية في العصر الحديث أول ثورة إسلامية في القرن العشرين.
وبالمقابل فقد كانت الثورة العباسية منعطفا مهما في التاريخ العربي الاسلامي، لا لكونها "ثورة سياسية أدت إلى انتقال السلطة من نظام إلى آخر (ومن عائلة حاكمة إلى أخرى...بل لكونها ثورة قلبت المفاهيم السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المجتمع آن ذاك. وهذا باضبط ما جعلها تحتل تلك المكانة المتميزة في التاريخ الاسلامي الوسيط".
ورغم أهمية البعد السياسي والأيديولوجي الذي قد يأخذ عند ثورة ما طابعا مهيمنا، فإن القاسم المشترك بين مختلف الثورات والفيئات المكونة لها دون استثناء، هو مرارة الواقع الاجتماعي والشعور المتزايد بالاحباط في غد أفضل في الحاضر والمستقبل، ما دفع أحد منظرين الحراك الجماهيري في الوقت الحالي إلى القول بأن أسوأ الاحتمالات هو: " تآكل الطبقة المتوسطة واقتراب شريحة كبيرة من أبناء هذه الطبقة من مشاعر الفقراء وتزايد الاحساس بمعاناتهم". في الاشارة إلى خطورة الموقف الذي قد يرفع شعار الثورة.
إن الاشكال التي تحاول أن تجيب عليها هذه الورقة حول موضوع "الثورة العباسية"، هي بالأساس مشكل، له أسباب (مدخلات) ويفترض حلا، (مخرجات)، أو ما يمكن أن يطلق عليه في أدبيات علم السياسة بالثورات الاجتماعية، كحالة من حالات الرفض الجماهيري لسياسة الواقع.
وكساؤل مركزي: فهل جاءت الثورة العباسية بهذا المعنى كمطلب لفئات اجتماعية محرومة أم كشعار سياسي هدفه هو الوصول إلى السلطة؟. ويتفرع عن هذا السؤال سؤالين فرعيين: الأول يتعلق بالأسباب؟. والثاني بالنتائج؟. من خلال هذه الأسإلة يمكن الاجابة عليها انطلاقا من التصميم التالي:
أولا:مدخلات الثورة العباسية
I. :أطروحة الحرمان.. والثورية العباسية
II. :واجهات الثورة العباسية
ثانيا: مخرجات الثورة العباسية
I. : من تنظيم الدعوة..إلى تفجير الثورة
II. :نهاية الخلافة الأموية
أولا:مدخلات الثورة العباسية
يذهب اعديد من دارسي الثورة العباسية إلى التركيز على مستويين من النقاش الجاد حول أدبيات التغيير الجماهيري لدى الثورة العباسية.
مستوى أول ويتعلق بأطروحتي الحرمان والميز العنصوري اللتين ما فتئ الحكم الأموي يواجه بهما العامة من السكان المحليين بأدواته وطرقه المختلفة.
ومستوى ثاني، ويضيف أطروحة الولاء العقائدي والسياسي أو ما يمكن أن يطلق عليه في هذه الدراسة واجهات الثورة العباسية.
I. :أطروحة الحرمان.. والثورية العباسية
وبالرجوع إلى الثورة العباسية والبيئة التي قادت إلى تفجيرها، فقد أبرز العديد من الدارسين، الظروف الاجتماعية والاقتصادية السيئة للشعوب التي كانت خاضعة للسيادة الأموية، وأكدوا على طغيان وتعسف الولاة الأمويين وعلى تمييزهم الاجتماعي والعنصري، من بين هؤلاء على سبيل المثال نذكر: فان فلوتن وولهاوزن والدكتور الدوري والأستاذ بندلي جوزي ويعقوب بفسكي.
وقد استندت حجية هذا هؤلاء على ما مفاده :
" أن نجاح العرب السريع أكسبهم ثقة واعتزازا بأنفسهم ورافق ذلك اعتزاز القبائل بأنسابها حيث ترتبط المنزلة الاجتماعية بالنسب فنظروا إلى سكان البلاد المفتوحة نظرة احتقار ولن تكن هذه النظرة ناتجة عن جنسية هؤلاء الناس غير العربية وإنما بسبب مهنهم الزراعية واليدوية."
ومهما يكن فإن البحث عن أسباب الثورة العباسية لا يقتصر على مظاهر الصراع العنصري والتمييز الاجتماعي والاقتصادي، ذلك التمييز الذي إن وجد فقد شمل العرب وغير العرب من العامة. على حد تعبير الدكتور فاروق عمر.
الأمر الذي يدعم وجاهة الرأي الرأي الآخر والقائل بالبحث عن أسباب أخرى، لعل أهمها السياسة الادارية والمالية للدولة الأموية بشكل عام وبشكل خاص نظام الضرائب الذي أخذ صورا تتفاوت في الحدة والخطورة على المواطنين المحليين، ومن ذلك نظام الاقطاع الجبائي المعروف باسم (التضمين)، وهو نظام ابتكره الأمويون، وبموجب هذا النظام يعهد إلى أشخاص ميسورين بجباية الخراج، على أن يقوموا بتسبيقه للدولة، ثم يقومون هم بدورهم بجبايته لأنفسهم أضعافا مضاعفة من صغار المزارعين بعد ذلك.
كما أن جشع الأمويين المتزايد لجمع المال، جعلهم يتجاوزون حدود نظام الجبايات المشروعة إلى ما بات يعرف باسم (المغارم)، وهو نوع من الجبايات غير المشروعة ذات سيمة اقطاعية مضافة إلى الضرائب العادية المعهودة. وترتب على ذلك هجرة بعض الفلاحين والمزارعين الصغار عن أراضيهم والنزوح إلى المدن لامتهان الأعمال الحرة، نظرا لعجزهم عن دفع تلك الضرائب، بل وأكثر من ذلك فقد أضطر منهم البعض إلى اللجوء إلى كبار رجال الدولة فيما عرف باسم (نظام الاجاء) والتنازل لهم عن أراضيه مقابل حمايته من شطط الجباة وضمان أبسط مقوم للحياة في ظل تلك الظروف القاسية أوالمشددة بلغة القانون.
لقد ترتب على هذه الظاهرة أن الكثير من ضياع واقطاعات الارستقراطية الاموية لم تجد من يفلحها من ناحية وتقلص موارد الدولة المالية من ناحية أخرى. ومن ثم ظهرت مشكلة كبرى نجح الحجاج الثقفي -والي العراق- في إجاد حلها، عندما لجأ إلى جلب أعداد كبيرة، من زنوج شرق إفريقيا وأعداد كبيرة من المعدمين الهنود المعروفين باسم "الزط" وتسخيرهم للعمل في الضياع عن طريق السخرة وفلاحة الارض واصلاحها.
وباختصار فإن سياسة التهميش والحرمان التي كرسها الحكم الأموي السلوطي ودافع عنها بكل ما أوتي من قوة وعتاد، سواء تجاه الموالي أو الفرس أوتجاه المد الشيعي الرافض للحكم الأموي منذ وجوده، كان لا بد أن يكون لها تأثير عميق لدى الجماهير وانتشار المبادئ الثورية بين الفئات الاجتماعية المتضررة والطامحة للحرية والعيش الكريم، وبالتالي فإن دلت هذه المقولات على شيء فإنما تدل على أن طبيعة المشكلات في أغلبها كانت ذات بعد اقتصادي واجتماعي وإلا فما معنى أن يذهب الكثير من الباحثين إلى التركيز على أداء الزنج كشريحة من فئات المجتمع الأكثر تضررا؟.
II. :واجهات الثورة العباسية
لقد أخذت الثورة العباسية واجهتين بارزتين راهن قادتها على التمسك بهما كمنطلق للتغيير والمضي قدما نحو أهداف الثورة ومبتغياتها، وهما باختصار: واجهة دينية وواجهة السياسية.
1- الواجهة الدينية
لعل من أهم الحركات المناهضة للخلافة الأموية، تلك الحركة التي تدعو لأهل البيت وتعتقد بأن لهم الحق لوحدهم في أن يخلفوا الرسول صلى الله عليه وسلم في حكم الجماعة الاسلامية. ورغم كون حركة بني هاشم أوآل البيت هذه، لم تكن واضحة المعالم من حيث التنظيم، -وإنما كانت من حين لآخر تظهر ثم تأول للزوال- ، فقد كانت إلى جانب ذلك غير ملتفة تحت قيادة واحدة أوفرع واحد من آل البيت.
وبعد مقتل الامام علي بن أبي طالب رضي الله عنه سنة 40 هجرية-660م وتنازل الحسين بن علي عن الخلافة لمعاوية واعتزاله السياسة (49 هجرية -669م) قام العلويون من الفرع الحسيني بعدة محاولات للثورة ضد الأمويين، وبدوره عبدالله بن معاوية الجعفري بانتفاضته ضد الامويين في العراق وفارس التي باءت بالفشل رغم نجاحها الجزئي في بادئ الامر.
وقد مثلت المعارضة العلوية اتجاهين:
اتجاه أول ويتبنى طرح الامامة بالنص وليس بالتخيير، ويرى بأن أحق الناس بها هم أبناء علي بن أبي طالب. وكان هذا الاتجاه يتمثل في ثورة الحسين بن علي وحفيده زيد بن علي في العراق.
أما الاتجاه الثاني وهو اتجاه متطرف، أن صاره ينادون بآراء غير اسلامية، كفكرة الحلول أوالتناسخ، ويسعون إلى تطعيم هذه الآراء بأفكار اسلامية بهدف تمريرها وانتشارها في المجتمع الاسلامي.
لقد كان للاتجاه الشيعي الذي حدد موقفه العلني من الخلافة الأموية منذ ثورة الكوفة المجهضة، التي انتهت إلى مقتل الحسين في كربلاء، فكانت هذه الحادثة المؤشر الفعلي للانتقال من العمل السري إلى المعارضة المسلحة.
ولعل ما يميز هذا الاتجاه قدرته الاستقطابية، ليس فقط من خلال المكانة الخاصة لقادته على الصعيد الشعبي، وإنما أيضا لأهمية طروحاته العلمية، لاسيما في الاطار الاجتماعي ومطالب الفئات المناهضة للحكم الاموي.
أما المعارضة المسلحة المتمثلة في الفصائل المختلفة للخوارج، فقد أنفردت برؤية خاصة في نضالها الثوري فكرا وممارسة، فكانت أول من لجأ إلى حرب العصابات في التاريخ الحديث، وقد ظلت في أذهان الناس مطبوعة بالتطرف، مما قلل من فرص استقطابها لقاعدة جماهرية واسعة، وظلت مجرد عصابات مختفية في الجبال على عكس غيرها.
وباختصار شديد فإن الواجهة الدينية للثورة العباسية شكلت مظهرين أساسيين: الاول تمثل في عداء الخوارج والشيعة التقليدي للحكم الاموي من جهة ومن جهة ثانية الانتصار لآل البيت في حقهم في الحكم. أما الاساس الثاني فقد كان يقوم على أطروحات دينية بحتة تدين الحكم الاموي الذي هو في الاصل حكم مغتصب للسلطة، وتجدر الاشارة هنا إلى أهمية الفكر الخوارجي والشيعي ذي المضمون الاجتماعي الاسلامي ودوره في تعاظم حركات المعارضة وانتشار المادئ الثورية المليئة بقيم: الحرية والعدالة والمساواة.
2- الواجهة السياسية
إذا كان كما يقال: إن "كل سلطة مفسدة فإن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة"، وبالمقابل قد يبدو من الاهمية بمكان الاقتباس ولو بالقليل من مقولات آدم اسميث عندما يقرر أن: "القهر يحجب نشاط الانسان وذكاءه وإبداعه". وبالتأكيد فلقد كان الحكم الأموي حكما مطلقا بكل المقاييس، وكان القهر سيمة بارزة طبعت مسار الدولة، ابتداء من دولة معاوية التي نحت في مسارها التنظيمي شكلا انقلابيا، تطور معه من الخلافة إلى الملكية أومن (التيوقراطية) الدينية إلى (الأوتوقراطية) الفردية. وانتهاء بآخر ملوك الدولة الأموية (مروان بن محمد).
ومهما يكن فإن الواجهة السياسية للثورة العباسية، رغم امكانية الحفر عن جذورها في تاريخ الخلافة الراشدية، إلا أنها تجذرت وأخذت أبعادها السياسية العميقة مع هيمنة بني أمية المطلقة، واستأثارهم بالحكم. الأمر الذي ثار سخط العباسيين وأنصارهم كطرف يرى أن له الحق، بل الأولوية في الحكم وحرم منه. وإذا كان البعض يرى بأهمية الخلافات (الأموية – العباسية) حول من يحكم أو من له الحق في الحكم، وهو أمر وارد، إلا أن هذا البعد السياسي البحت لم يكن لوحده المحدد، بل تداخلت معه أبعاد أخرى اجتماعية واقتصادية، شكلت مضامين الثورة وأفكارها الإصلاحية.
فلقد كان لتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، فضلا عن سياسة بني أموية العنصرية، التي طالت العرب وغيرهم من الزنج والفرس، أن أسهم في تعاظم الحركات المعارضة للسياسة الأموية، وبالتالي انتفاضات عارمة، طالت مختلف المكونات الإجتماعية، كتلك التي قادها الزنج والهنود فيما بات يعرف في أدبيات الثورة العباسية بثورة الزنوج، أو تلك التي قادها المختار بن أبي عبيد الثقفي إبان خلافة عبد الملك بن مروان ...الخ.
وببراعة فقد استقل الدعاة العباسيون الذين انتشروا في المدن والقرى تلك الأوضاع، في بث طروحاتهم ذات المضمون الاجتماعي الاسلامي ورغم أبعادها في الواقع، الايديولوجية والسياسية، فقد لاقت قبول الجماهير بارتياح كبير. وهذا ربما الذي قصده الدكتور عبد الحي شعبان بقوله: "وفي رأيي أن الثورة العباسية كان هدفها دمج كل المسلمين العرب وغير العرب في الامبراطورية في مجتمع اسلامي واحد لكل فرد من أبنائه حقوق متساوية. إن هؤلاء الذين أسهموا في الثورة كانت نظرتهم للاسلام أوسع وتفسيرهم لمبادئه أكثر شمولا من وجهة النظر الأموية العربية الضيقة". وربما كانت تلك أبرز القوائم المطلبية للمجتمعات الثائرة على الحكم الأموي عبر قرن من الزمن.
ثانيا: مخرجات الثورة العباسية
لقد كان لحالة عدم التوازن والاستقرار التي واكبت الحكم الاموي، من حين لآخر ومن حقبة زمنية لأخرى، أن كشفت عن الحاجة الماسة إلى نوع من التوازن المضاد، وكما يقال: "فالأيام دول"، وهكذا دواليك. وإن صح التعبير: "فالدول أيام"، وكذلك الحضارات، وإلا فلا معنى لقانون العمران الخلدوني، ومجمل النظريات الأخرى التي يرى أصحابها بأنها تحكم تطور تاريخ المجتمعات ومنجزاتها الحضارية.
وما يهمنا من هذا الكلام هو بالاساس، كيف نفهم هذه المقولات في ظل الصراع (الأموي-العباسي) وما نجم عنه من قلب للأوضاع، والظروف التي واكبت انتقال الحكم من بني أمية إلى العباسيين.
I. : من تنظيم الدعوة..إلى تفجير الثورة
لقد كانت أبرز المراحل الحاسمة في الاعداد والتخطيط للعمل الثوري المنظم، الذي استهدف صنع الثورة العباسية، مرحلتين بارزتين يمكن أن نطلق على الأولى مرحلة التحضير للثورة، والثانية، مرحلة التنفيذية.
تمثلت المرحلة الأولى بالعمل السري، الذي قاده محمد بن علي العباسي، المنظم الأول للدعوة العباسية، ثم ابنه ابراهيم الامام من بعده، الذي نقل الدعوة العباسية من طوق السرية إلى العلنية، وبهذه الخطوة الجريئة، ستأخذ الدعوة العباسية شكلها النهائي، مع إعلان أبي العباس عبد الله نفسه خليفة للمسلمين في مسجد الكوفة سنة 132 هجرية-749م. والواقع أن بني أمية كانوا في غفلة في آخر عهدهم، لا يعلمون من أمر تطورات الدعوة العباسية شيئا، ولما وقع في يد الخليفة (مروان بن محمد) كتابا من قائد الدعوة العباسية والمنظم لثورتها، الامام إبراهيم العباسي، يحمل تعليماته إلى أتباعه ويكشف عن خطتهم وتنظيمهم، كان منشغلا بتوطيد سلطانه المتزعزع، وقمع الثائرين ضده، فاكتفى بتكليف واليه في دمشق بالقبض على الامام إبراهيم وإيداعه في السجن 132 هجرية/750م.
وعموما فإن أهمية هذه المرحلة بالتحديد، تكمن في التنظيم، إضافة إلى اختيار منطقة خراسان الواقعة في أطراف الامبراطورية الاسلامية كموقع استيراتيجي، بعيد عن أنظار السلطة المركزية، يسهل منه التحرك، إضافة إلى الأهمية الديموغرافية والسيكولوجية لسكان منطقة خراسان التي وصفها (محمد بن علي بن عند الله العباسي) بقوله: " ففيها العدد الكثير، والجلد الظاهر، وصدور سليمة، وقلوب فارغة". وبالتالي فاختيار الشريحة المناسبة في البقعة الجغرافية المناسبة، القادرة على حمل مشروع الحراك الحضاري، يمكن أن يعد من أهم العوامل التي تؤثر في نجاح أوفشل حركات التغيير والثورات الجماهيرية، وهو أمر وارد إذا ما أخذنا في الإعتبار الانجازات التي حققتها الثورة العباسية في خراسان.
أما المرحلة الثانية، وهي مرحلة التنفيذ أومرحلة تفجير الثورة العباسية بهذا المعنى، فقد كان لنجاح الدعوة العباسية، وانتقالها من المرحلة السرية إلى العلنية، والظروف الصعبة التي مربها الحكم الأموي منذ تولي الوليد الثاني للخلافة (125 هجرية/743م-126 هجرية/744م) وتولي يزيد الثالث لها، بعد المؤامرة التي دبرها لقتل سابقه، واعلان نفسه خليفة ( سنة 744م)، مرورا بالفراغ الذي حصل في السلطة، إثر الاضطرابات التي تلت وفات يزيد، وخلال مجيئ خلفه مروان الثاني إلى الخلافة، لقد كانت مجمل تلك الظروف في صالح الثورة العباسية وتقويض أركان الحكم الأموي والقضاء عليه.
ولعل ما سهل مأمورية هذا الفعل، رغم تصدع البنية الفوقية للنظام الأموي، هو تآكل البنية التحتية لهذا النظام المزمن، وبالتالي الاسراع بمولد اللحظة التاريخية التي توحد ولا تفرق (بغض النظر عن اللون أو العرق..) بين الغايات والأهداف الثورية للجماهير المتعطشة للحرية والعيش الكريم.
II. :نهاية الخلافة الأموية
لقد كان لنجاح الثورة العباسية في خراسان، واستلاء أنصار العباسيين على مرو وهروب نصر بن سيار منها باتجاه الغرب أهميته البالغة في توطيد دعائم الثورة العباسية والتحرك باتجاه آفاق أخرى في مسار الثورة. وقد صدرت أوامر ابراهيم الامام بتعيين قحطبة بن شبيب الطائي قائدا عاما للجيش الخرساني المتقدم باتجاه العراق والشام. لتبدأ بهذه الخطوة فصول المواجهة العسكرية بين الجيش الأموي والعباسي وانتصارات هذا الاخير المتتالية، ابتداء من موقعة جرجان وجابلق، حيث أصبح عمليا للعباسيين السيطرة الفعلية على الجناح الشرقي من الدولة الأموية. ثم بعد ذلك العراق والفلوجة، التي خسر فيها الجيش العباسي قحطبة الطائي في ظروف غامضة، رغم انتصار جيشه وانسحاب الجيش الأموي من المعركة مهزوما، إلا أنها لم تكن معركة حاسمة، رغم تأثيرها على معنويات هذا الجيش الأموي. لينتهي مسلسل الحكم الأموي في معركة الزاب وذلك بمقتل مروان الثاني آخر ملوك بني أمية وهو يكابد من أجل استرجاع ملكه من يد العباسيين،سنة 750م.
وعموما لقد كانت رحلة نهاية الحكم الأموي رحلة شاقة، كبدت الثوار الكثير من العناء والتضحية، لسببين رئيسيين يمكن استنتاجهما منذ الشرارة الأولى للثورة العباسية: السبب الأول هو الافتقار إلى التنظيم في بداية الأمر، والثاني هو قوة الحكم الأموي وقدرته الفائقة على القمع. وربما تلك هي أهم الأخطاء التي يجب التفكير فيها، لمستقبل أي عمل ثوري ينشد من ورائه النجاح.
خاتمة:
نستخلص مما سبق عدة حقائق هامة، من بينها أن الثورة العباسية تمثلت في ثلاثة أبعاد أساسية: بعد سياسي، ديني، واجتماعي، وبالتالي بهذا المعنى كانت ثورة سياسية، ثورة دينية، وثورة اجتماعية، لقد رفعت الثورة العباسية شعارات عديدة وظهرت بواجهات مختلفة.
شعارات دينية مثل: الدعوة "إلى الرضا من آل البيت"، والعمل بموجب "الكتاب والسنة"، والثأر لأهل البيت.
شعرات اجتماعية: العمل من أجل المظلومين، تما شيا مع مقتضى الآية الكريمة: "أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وان الله على نصرهم لقدير".
لقد استقلت الدعوة العناصر المستاءة من جور الحكم الأموي وظلمه.
أما الشعارات السياسية فحسب اعتقاد الباحث رغم غموضها أو عدم الافصاح في بعض الأحيان، ورفع الشعارات البديلة إلا أنها في واقع الأمر هي الحقيقة سواء جاءت في حلة دينية أو في أخرى اجتماعية أو مطلبية على السواء.
قائمة المراجع:
الكتب:
د.فاروق عمر،الثورة العباسية،،دار الشؤون العامة،بغداد،1989
د.محمود اسماعيل،المهمشون في التاريخ الاسلامي،رؤية للنشر والتوزيع،القهرة،2004
د.ابراهيم بيضون،ملامح التيارات السياسية في القرن الاول الهجري،دارالنهضة العربية،بيروت،1979
ياسر الغرباوي،حركات التغيير والحراك الجماهيري،لؤلؤة،2007
المجلات:
مجلة شؤون عربية،العدد145،السنة 2011
بون ولد باهي باحث في العلوم السياسية