موضوع للنقاش

نافذة نفتحها للقراء لتقديم أفكار للنقاش، نأخذ في كل مرة إحداها و نطلب منهم المشاركة بأفكارهم حول موضوعها

تفاصيل إحدى أكبر فضائح الفساد في بلد الفوضى الأول

تابعونا على

المتواجدون حاليا

حاليا يتواجد 11 زوار  على الموقع


الخطوط الجوية الموريتانية : من النشأة إلى الإفلاس / سيدي علي بلعمش / تحقيق : 5/5

الأربعاء, 17 أغسطس 2011 06:19

"Il n’est de justice que dans la vérité. Il n’est de bonheur que dans la justice". Emile Zola
الخطوط الجوية الموريتانية
ـ نموذج للفساد المنظم  
ـ  فضائح مالية ماثلة الآثار، لا تنتهي بالتقادم  
ـ سلسلة من الفضائح و الجرائم المالية
ـ حقوق ضائعة لا بد أن تعود


الخطوط الجوية الموريتانية،

قصة مؤسسة اختزلت تاريخ الفساد في البلد من البدايات الخجولة إلى النهاية المأساوية:
ـ الوظائف السياسية
ـ المهام الانتخابية
ـ  المكافآت السياسية
ـ تحكم الزبونية
ـ حماية الفساد
ـ سطوة الأيادي المطلقة
الخطوط الجوية الموريتانية
تفاصيل مخجلة لسقوط أهم مؤسسة في البلد، تكشف نهج جرائم ولد الطائع بأدق جزئياته و تؤكد استمرارية حماية الفساد و خطورة تحكمه في مقاتل البلد.
ملف كامل عن الخطوط الجوية الموريتانية من إرهاصات النشأة حتى تداعيات الإفلاس ، بالتفاصيل و الوقائع و الأرقام و التواريخ و الأسماء.
تحقيق يضع أمامكم التفاصيل الكاملة لسقوط إحدى أهم مؤسسات البلد على أيادي أكبر مفسديه في أسوأ مرحلة من تاريخه.
أن تضع طيارا مديرا ماليا لمؤسسة طيران هي أن تفقد طيارا و تفقد مديرا ماليا لصالح الفوضى و هذا ما حدث بالضبط في إدارة الخطوط الجوية الموريتانية بعدما عشش فيها الفساد و باض و أفرخ؛ لكن أن تضع عليها عسكريا و أديبا و قليل أدب و قليل خبرة في أي مجال، يعني أنك تغامر بأرواح الناس مثل ما حصل في تجكجة و تستهتر بالتجربة البشرية مثل ما حصل في ألاك و تضرب عرض الحائط بأي معنى للمسؤولية مثل ما حصل في "آتلانتا"
قصة إفلاس الخطوط الجوية الموريتانية تشبه السيرة الذاتية لنظام ولد الطائع و تفسر ميكانيسمات الحكم عند العصابات و أسباب  الموت السريري للدولة الموريتانية التي هانت حتى سامها كل مفلس.
نعم،  لا أحد يجرؤ على الكلام من بين جميع المعنيين بالملف و من يجرؤ على بعضه يقف دون البعض و هو الأسوأ، لكن لا شيء يمكن أن يغطي وجه الحقيقة إلى الأبد، وكل من يتستر خلف الأباطيل على موعد حتمي مع العراء طال الزمن أو قصر.
ـ إن التعتيم على حقيقة نهب الخطوط الجوية الموريتانية الذي شابه الحرائق في أكثر من وجه، جريمة بكامل أركانها في حق هذا الوطن المستباح ، يجب أن لا تمر من دون عقوبة.
فليعذرنا كل من يغضب لورود اسمه أمام أفعاله غير المسؤولة لأن تلك مسؤوليتنا التي نتحمل كامل مسؤوليتها أمام الله و أمام شعبنا الذي يجب أن يفهم أنها جرائم لا تسقط بالتقادم، لن يكون هذا الشعب جديرا بالبقاء إذا لم يفرض محاكمة كل الضالعين في هذا الملف إحقاقا للحق و إكراما للوطن و ردعا للعابثين بكل أسباب الوجود و الاستقرار في هذا البلد الطيب.
لقد حيرتني قدرة هذه المؤسسة العملاقة على البقاء رغم الضربات المؤلمة التي تتالت في مقاتلها ، لكن لا شيء يمكن أن يصمد إلى الأبد في وجه معاول الهدم المستمر.
فشكرا لمن شيدوا الخطوط الجوية الموريتانية حتى أصبحت أفضل مؤسسة طيران في الغرب الإفريقي : شكرا لهم لأنهم أثبتوا لنا أننا قادرين على مواكبة العالم .. و شكرا لهم  لأنهم علمونا أن علينا أن نعمل لنستحق حياة أفضل .. و شكرا لهم لأنهم مروا  بهذه الأرض و لم يفسدوا و لم يطهدوا و لم يتجبروا و لم يظلموا، لنفهم أننا نعيب الدهر و العيب فينا..  و شكرا لهم لأنهم عاشوا نبلاء و سيموتون خالدين ليعلمونا أنه ما مات من أبقى ثناء مخلدا و لا عاش من قد عاش عيشا مذمما ...
و هي مناسبة لنقلب المنجل (تفاديا للعار) عن وجوه سماسرة زمن الانحطاط و منطق الارتزاق لنعدهم بأن زمن المحاسبة آت لا محالة لينالوا جزاء ما اغترفت أياديهم الوسخة من آثام في حق هذا الشعب المسكين الذي تقوده عصابات التجار و العسكر منذ إنشائه حتى اليوم، بالوعود الكاذبة و الممارسات القهرية و الدسائس الدنيئة في عملية استنزاف مستمرة لا يعرف أصحابها الرحمة.
سأسمي الأشياء بأسمائها في هذا التحقيق لأنني أرفض أن يعيثوا في أرضنا فسادا و يشيدوا لنا قانونا يمنع علينا أن نتحدث عنها . و على من يشكك فيها أو يحتج عليها أن يطلب فتح تحقيق رسمي في القضية لتفهموا أننا نتهم بالتهويل في حين نعجز عن نقل دوني الحقيقة: لا أحد يستطيع أن ينقل عشر ما تقوم به هذه العصابات المحترفة من إجرام.
على القانون و المتكلمين باسمه في موريتانيا أن يخجلو حين تمر بهم كل هذه الجرائم من دون عقوبة .. أن يخرسوا لأنهم أكبر متواطئ مع الجريمة بوجود هؤلاء اليوم  خارج القضبان .. أن يفهموا أنهم لو كانوا موجودين لما وصلنا إلى هذا الحد .. أنه لو كان هناك من يخافهم أو يحترمهم  في هذا البلد لما حصلت فيه كل هذه المعجزات الحقيقية .. أن يفهموا أنه أصبح من حقنا ـ بعد استقالتهم الكاملة أمام مسؤولياتهم ـ أن ندافع عن أنفسنا و عن أرضنا و شعبنا غير مبالين بما يرضيهم أو ما يغضبهم.
و على القانون و المتكلمين باسمه في موريتانيا أن يعتذروا اليوم لهذا الشعب عن ما حدث فيه من جرائم في حقهم أمام أعين قانون منزوع السلاح تحول في زمن الفساد من حارس لحقوق الناس إلى شاهد زور على عدالة اغتصابها.

سأسمي الأشياء بأسمائها لأننا يمكن أن نخضع لقهر الظلم لكننا لن نسلم بعدالته و لن نساهم في حماية أهله و لن نخاف من تهديداتهم و سطوتهم و  جبروتهم.
سأروي الحقائق كما حصلت أمام أعين الجميع غير مبال بما عدا ذلك أو ما يعنيه أو يترتب عليه، فـ"لا عدالة إلا في الحقيقة ـ كما قال زولا ـ و لا سعادة إلا في العدالة".

إن وسيلة هؤلاء المجمرمين اليوم للإفلات من العقوبات هي التسابق لمراضاة كل نظام يأتي و التقاني في خدمة من يحكم بحثا عن غطاء سياسي لا يكاد ينتهي حتى يتحولون إلى من يأتي بعده و هكذا دواليك حتى يقبض عليهم الموت.
لعل أسوأ ما في الانقلابات العسكرية هو أنها تأتي بأنظمة مهزوزة و مرفوضة ، تكون وسيلتها الوحيدة للبقاء هي البحث عن صيادي الفرص من أمثال هؤلاء، ممن لا يفكرون في غير البقاء بأقل شروط فيصنعون منهم طوابير إذلال على امتداد طريق عبورهم و يتحكمون من خلالهم في أخيار الناس من دون أن يستطيعوا التخلص من هذه الورطة حتى يسقطوا . لأن من تكون هذه الزمرة بجنبه لا يمكن أن يتكلم عن إصلاح و لا عن أخلاق و لا عن ما دون ذلك بكثير ، فيجد نفسه سجين واقع يكذب كل ما يقوله و يظل رفضه يزداد مع الزمن حتى يأتي من يختلعه بلا رحمة من دون أن يجد في البلد كله من يأسف على غير عدم قتله؟
و الحقيقة أنه ليس هناك رئيس مهما كانت بشاعته لا يتمنى أن ينمو بلده و يزدهر و يكون محبوبا عند شعبه و خالد الذكر في بلده ، لكن هذه العصابات توهمهم أن لا إمكانية لبقائهم من دونها  و تقحمهم في صراع مع الشعب بلا نهاية فينسون أنهم مهما حكموا لا بد أن تأتي نهايتهم بكل ما يترتب عليها من حساب و عقاب !؟
فليخرج هؤلاء من حياتنا لأنهم لا يستحقون الحياة و لا يستحقون أن يعيشوا على أكتاف مجتمع أنهكته السياسات المعوقة بالنهب و الغبن و الفساد على أيادي هذه العصابات المريضة النزعة و الانتماء.
لا تستطيع أي سلطة في موريتانيا أن تعمل مصالحة مع شعبها أكبر من الحرب على المفسدين : هذا هو الإرهاب الذي يهدد موريتانيا و هو الخراب الذي يهدد موريتانيا و هو العائق التنموي الأول و مصدر خلافنا الأول و الأخير : لسنا بحاجة إلى الديمقراطية و لا إلى السفسطائية؛ إن حاجتنا أولا هي إلى أن نثبت أننا بشر و أننا نميز بين الجيد و السيئ و بين الخير و الشر و بين من يبني و من يهدم. ليس فينا الآن من لا يدمر هذا البلد بيده على طريقته إما بسبب التحكم  أو بسبب الرفض أو بسبب الانتقام أو بسبب الانتهازية أو بسبب الأنانية و كلها شرور إن لم تكن بالأسباب و الدوافع فبالنتيجة.
و يخطي من يعتقد أن موريتانيا يمكن أن تستمر بعد اليوم في هذه الفوضى المفتوحة و هذه الاستباحة المطلقة . و يخطئ أكثر من يعتقد أنه يمكن أن يدخل عهد إصلاح من دون معاقبة أباطرة عهد الفساد المتحكمين اليوم بأموالهم الضخمة في اقتصاد البلد و سياسته و سلطته.

لقد دمروا هذا البلد مرتين ، مرة حين نهبوا خيراته و مرة حين  هربوا "ممتلكاتهم" إلى الخارج و تركوا البلاد خاوية على عروشها و هي جريمة أخرى يرتكبونها في حق هذا الوطن الذي نهبوا خيراته دون وجه حق و أذلوا أهله، بتكديس هذه الثروات الوطنية الهائلة في البنوك في الخارج دونما وخز من شعور بأي حد من المسؤولية.
ـ سيكشف هذا التحقيق عن مستوى الاستباحة الذي وصلت إليه الأمور في عهد الشيطان الرجيم معاوية لكنه يؤكد أن وجود الفاعلين اليوم خارج القضبان ، لا يمكن أن يعني سوى استمرار ذلك النهج بطرق أخرى تتحاشى النبش في المستور تفاديا لفتح باب تخشى أن لا تعرف كيف تغلقه!؟
و إذا كان النظام عاجزا عن مواجهة ثلة من المفسدين الجبناء فلا شك أن عجزه عن مواجهة شعب جائع لم يعد لدى أي منه ما يخسره، ستكون أكثر تأكيدا و حتمية.
لقد تكلمت في الفصول الأربعة الأولى من هذا التقرير عن سيرة المؤسسة الفنية من دون التعرض للعوامل الخفية التي حركت الأشياء في اتجاه إفلاس مؤسسة ما كان يمكن أن تفلس إلا بالطريقة التي تمت بها ، لكي تفهموا بوضوح كيف تم تركيع هذه المؤسسة العملاقة في وقت قياسي على أيادي مفسدين لا تعرف قلوبهم الرحمة، ما زال أكثرهم يتقلد مناصب سامية في الدولة حتى اليوم، كمكافأة وطنية على ما اغترفت أياديهم الوسخة في حق هذا الشعب المسكين، المحكوم عليه أو المغضوب عليه (على الأصح) بالعيش في ظل أحكام عصابات العسكر و التجار في خط تبياني منحدر كل حلقة منه أسوأ من سابقتها.

نعم نحن الآن في الحضيض : لم يعد بالإمكان أسوأ مما هو كائن اليوم و علينا الآن أن ننهض أو نستريح إلى الأبد و هذا هو الدليل :
نبذة في عجالة عن بعض أعمال المدراء الذين أفلسوا الخطوط الجوية الموريتانية و الطريقة التي تمت بها عملية نهب هذه المؤسسة و المناخ الفوضوي الذي تمت فيه :


السيد سيدي ولد الزين :
بدأت الخطوط الجوية الموريتانية كمؤسسة طيران فعلية لها رسالة و برنامج و آفاق مستقبلية و تمتلكك وسائل طموحها، في بداية السبعينات على يد من يوصف اليوم ـ بين من عملوا بها ـ بالأب المؤسس،  السيد سيدي ولد الزين الذي تميزت في زمنه بدرجة عالية من الصرامة في التنظيم و التكوين و التسيير و خلق الكفاءات و تبنيها و مكافأتها والتخطيط في ظل رؤية واضحة و آفاق واعدة و طموحات كبيرة.
كانت حينها تستعمل طائرتين مستعملتين (دي.سي.3 و 4 ) و هما من جيل قديم و جيد سقطت إحداهما في تجكجة نهاية السبعينات. و تم في عهده شراء طائرتي (فوكير 27 و 28) من هولندا. كانت طائرات جيدة ، سريعة، سعتها مناسبة، حمولتها من الوقود كبيرة و مدعمة بشكل خاص للنزول في مطارات غير جيدة و ظروف مناخية مشابهة لظروفنا. كانت الصفقة جيدة و شفافة و مستكفية الشروط الفنية و قد تمت  بتمويل من صندوق التضامن و التدخل للتنمية الاقتصادية في غرب إفريقيا (fosidec )     
تم توطين جميع وظائف الخطوط الجوية الموريتانية الإدارية و الفنية في زمنه و صنفت بعد اقتناء طائرات (فوكير) بأفضل شركة طيران في الغرب الإفريقي و ظلت فوق هذا و ذاك خالية مما عرفته البلاد من فوضى إدارية و رشوة و زبونية و كانت رواتبها امتيازا حقيقيا في البلد و حساباتها في البنوك ما بين العالية النموذجية و المحترمة، اللائقة بمكانة أرقى مؤسسة في البلد.


المقدم مولاي ولد بوخريص :
ـ  في سنة 1987 تسرب إلى مسامع الشيطان معاوية أن محاولة انقلابية تحاك ضده و تفاجأ باسم أقرب مقربية (المقدم مولاي ولد بوخريص) على رأس لائحة الإنقلابيين فأودعه السجن . و مع خروج مولاي من السجن ـ في ما بدا أنها كانت مؤامرة ضد معاوية لإبعاده من مقربيه ـ تم رد الاعتبار إليه بتولي إدارة الخطوط الجوية الموريتانية، أفضل مؤسسة في البلد و أكثرها اعتبارا و نجاحا و أفضلها رواتب و امتيازات على الإطلاق.
تم تكريم مدريها (الخارج) السيد سيدي ولد الزين على تسييره الرائع للمؤسسة و عين مستشارا بها . كان الهدف من تعيينه مستشارا للشركة هو أن تظل تستفيد من خبرته الكبيرة و يظل ولد بوخريص ينعم بالتقدير و التكريم، لكن الرجل لم يكن من تلك الطينة و ظل ينأى بنفسه عن ما يحدث من عبث و ارتجالية في مؤسسة حساسة لا تتحمل مثل هذه التعيينات العشوائية و القرارات الفوضوية من دون أن يبدي أي رغبة في البقاء حتى خرجها من دون أن يتلطخ اسمه في أي صغيرة.  
عين المقدم ولد بوخريص مديرا عاما للخطوط الجوية الموريتانية تحت الرقم 406 (و هو النظام المتبع في تسلسلها التوظيفي) و نقل منها بعد أربع سنين و عددها التسلسلي في حدود 460 و هي زيادة ضخمة في مؤسسة عالية المهنية لكنها كانت ضئيلة جدا بالنسبة لما سيحدث مع مدرائها القادمين.  
امتازت فترة ولد بوخريص بنوع من السلطوية الخالية من الصرامة و البعيدة من المهنية. كان تفكيره بعيدا من مستوى رقي المؤسسة و دقة نظامها و مناخ الثقة المهنية بين إداراتها و عمالها ، فما كان يمكن أن يكون إيجابيا في شيء.
في فترته كانت لدى الشيطان معاوية طائرة أمريكية من نوع (Grumman -G-1159) (الرابضة في الصورة في مطار بازل ميلهوس (Basel Mulhouse) الفرنكو ـ سويسري) أهدتها إحدى الدول  الصديقة للرئاسة الموريتانية، فأحالها (؟) للخطوط الجوية الموريتانية و قد باعها  ولد بوخريص في أمريكا (في صفقة مشبوهة و لا أحد يدري أين ذهب ثمنها) . و ارتبطت قصة هذه الطائرة بمخزون من قطع الغيار (تابع لها أو لطائرات فوكير) تم اختفاؤه بالكامل بعد بيع غرومان، قدرت قيمته بأربعين مليون، تم تبريرها بعد ذلك من قبل ولد باله الشريف (المدير الفني) عن طريق تقديم شهادة وفاة شخص أجنبي هو كان المسؤول عن المخزون أو بيعه في ما زعم  حينها، من دون أن يفهم أحد كيف وصلت أصلا إلى هذا الأجنبي المزعوم؟ وقصة شهادات الوفاة أمر مشهور في البلد تم عن طريقه إفلاس عدة مؤسسات من أشهرها البنك الليبي في الثمانينات.
و لا بد هنا من الإشارة إلى أن الهدايا التي تقدمها البلدان الصديقة أو الشخصيات لرئيس بلد لا تكون ملكا شخصيا له و إنما للوطن، فلا يحق للرئيس ـ في القانون الأمريكي ـ أن يحتفظ لنفسه بهدية تتجاوز قيمتها 150 دولار فما بالكم بطائرة نفاثة!؟
ـ و في فترته حصلت عملية احتيال أخرى أكثر تعقيدا، حيث وافقت إدارة وصاية المؤسسات على إعادة تقييم طائرات "الفوكير" و تم نفخ مخصصات الاستهلاك فيها بما يرضيهم. و هذه العملية حولت ميزانيتها وهميا إلى مؤسسة رابحة. (تتم عملية حساب مخصصات الاستهلاك تقديريا مثل أن تقول إن سيارة تعمل منذ 7 أشهر قد فقدت كذا من قيمتها الأصلية) يضاف إلى هذا كله بعض الترقيات غير المستحقة حصلت في فترته بشكل مسيء لتقاليد المؤسسة التي ظلت طويلا تحافظ بمهنية عالية على احترامها و سمعتها و استقرارها. و صحيح أن ولد بوخريص لم يكن أسوأ من قاد الخطوط الجوية الموريتانية على هذا المستوى لو حسبناها بعدد التجاوزات التي حصلت في زمنه لكنه أول من تجاوز هذه الخطوط الحمراء في تقاليدها و أول من فتح هذا الباب أمام عواصف النهب التي أركعتها و أوصلتها مرحلة العجز و الإفلاس.
ـ كانت أحداث 89  بالغة الفظاعة و الألم على كل الأصعدة، تحول فيها أعضاء مجلس القيادة الذي شكله الشيطان معاوية إلى أمراء حرب بكل المعايير و أخذ كل واحد منهم نصيبه من الكعكة بنفس جائعة و أيادي مطلقة و ظهر محمي و همة منحطة : قيادات الأركان و البحرية و الأمن و الجمارك و الميناء و الخطوط الجوية و وزارات السيادة. كانت فترة استباحة مطلقة عاثت فيها تلك العصابة فسادا في الأرض مستبيحة كل ما يقع تحت أياديها أو في مجال رؤيتها أو سمعها.
و بعد ما ضيقت الدول الغربية الخناق على الشيطان معاوية واصفة نظامه بالهمجي و إياه بمجرم حرب و تعاورته الاتهامات من كل جانب، تحولت السنوات التالية إلى فوضى أخرى حاول فيها أن يرشي كل زنجي مستعد و يمده بالمال لشراء ضمائر من حوله من سكان القرى البعيدة و الأرياف المنسية فدانت له الرقاب عن طريق سماسرة بارعين لا تأخذهم في الارتزاق لومة لائم.
و بهذه الصدف السيئة كانت الخطوط الجوية الموريتانية الأسوأ حظا في عهد الشيطان و كان ذنبها الأوحد الذي لم تنفعها أي توبة في غفرانه أنها مؤسسة محترمة يسيل لها لعاب كل طامع.


جانغ بوبو فاربا
سنة 1991  (و هنا مكان سجدة للشيطان) تم تعيين جانغ بوبو فاربا مديرا عاما للخطوط الجوية الموريتانية في وجه الحملة التشريعية و النيابية و الرئاسية خلفا لولد بوخريص الذي كان قد أخذ نصيبه على مهل .   كان جانغ بوبو فاربا حينها مكلفا بملف الزنوج شديد السخونة و لم يكن الفشل في هذه المهمة مقبولا بأي عذر و لم يكن النجاح فيها مرهونا بأي ثمن. هذا ما بدا واضحا من تصرفات جانغ بوبو فاربا عند مجيئه للخطوط الجوية الموريتانية لتتحول المؤسسة إلى بازار حقيقي، لا شيء فيه يخضع لمنطق الفهم : سأل عند مجيئه كيف يمكن أن يقدم خدمات جليلة للزنوج العاملين بالمؤسسة؟  فقيل له "الرتب".  فأعد اتفاقا مع العمال، حول من خلاله 21  زنجيا من عامل  إلى إطار دفعة واحدة، بعضهم لا يملك شهادة الإعدادية.. و كلف محاميا زنجيا يدعى جوب (أتى به على مزاجه)  بصياغة الاتفاق مقابل 9 ملايين أوقية (تسعة ملايين مقابل صياغة اتفاق من صفحتين؟) .. وجد المؤسسة متعاقدة مع مكتب محاماة واحد فأضاف إليه مكتبين من الزنوج بكل أعبائهم الضخمة غير المبررة في مؤسسة يبصق مدراؤها على القانون.
بدأ الفساد بالشركة بما لا يمكن أن يوصف: الزبونية و المحسوبية، الجهوية .. الفوضى المفتوحة بلا حدود : صرف القروض للناس ، التعيينات ، العلاوات ، الترقية، التوظيف، التذاكر المجانية في إطار الحملة : فوضى لا حدود لها. لا حتى ما قام به ولد بوخريص كان يمكن أن يوصف بالمقدمة لهذا الإعصار المدمر الذي نسف كل تقاليد الشركة و ثقافتها و مزق كيانها و عصف بهيبتها و سمعتها من قبل إطار مالي كبير يعي جيدا ما يفعله ..!؟  
ـ ذهبت زوجة بوبوفاربا إلى إسبانيا في فترة الحملة و أتت بحاويتين من التجيزات المنزلية مدفوعة الفواتير من قبل ممثلية الخطوط الجوية الموريتانية في لاس بالماس!؟
كان جينغ بوبو فاربا إعصارا مدمرا، مطلوق اليد تماما كما لو كان مكلفا بتسليم جثة الخطوط الجوية تكفيرا لآثام الشيطان الرجيم معاوية!؟


القبطان محمد يحظيه ولد الفيلالي
حين عين على الخطوط الجوية الموريتانية ، سنة  1992 مديرا بالوكالة كان القبطان محمد يظيه ولد الفلالي خارجا لتوه من حادث سير كبير أثر على قدراته. وجد وضعية المؤسسة كارثية فقام باستدعاء مجلس الإدارة لتدارس الوضع و هو إجراء سليم و طبيعي من شخصية عاشت في المؤسسة في زمن أبهتها الأولى. كان رئس مجلس إدارتها آنذاك هيبتنا ولد سيدي هيبه. بعد عقد الاجتماع ، جاء أمر من الشيطان ولد الطائع بإلغاء نتائج الاجتماع و محو رقم اجتماع مجلس هيئة الإدارة: فتم إعداد تقرير خال من أي أهمية من دون رقم تسلسلي كما يقتضي النظام الداخلي للهيئة، من أجل التغطية على ما قام به جانغ بوبو فاربا من جرائم مالية صارخة في عهده.
لم يستطع فلالي إنقاذ المؤسسة لتواضع خبرته الإدارية و عدم تعامل السلطة معه و عدم ثقة الموظفين فيه . أهم ما وقع في زمنه القصير (عدة أشهر) كان إصدار  (le contrat programme)   
لم يكن القبطان فلالي مقنعا كمدير عام للمؤسسة لكنه لم يكن سيئا في ما عدا توظيف أقاربه و الإغداق عليهم بالامتيازات و التعيينات . و سنرى أنه بعد ما قام به جانغ بوبو فاربا من تعيينات و امتيازات للزنوج ، أصبحت إدارة الخطوط الجوية الموريتانية وسيلة لتصفية حسابات قبلية لم ينج منها أحد.


محمد عبد الرحمن ولد صيبوط و محمد يحظيه ولد ابريد :
أوجه التشابه بين مرحلة ولد صيبوط و مرحلة ولد ابريد الليل أكثر من أن تحصى، بعضها في الشكل و بعضها في المضمون و بعضها في الوسائل و بعضها في النتائج و بعضها في المبررات و كلها تتشابه حد التطابق في قدرتها العالية على التدمير و قدراتهما الأعلى على تحمل الإحراج و تحدي الشعور العام و عدم الاكتراث بما يدعو للخجل:
يحمل محمد عبر الرحمن ولد صيبوط شهادة متواضعة في القانون (لم يعمل يوما في مجالها)، عمل موظفا عاديا في منظمة نهر السنغال و مديرا لديوان الرئيس ولد هيدالة  و سجن بعد الإطاحة بالأخير سنة 1984
خلال أحداث 1989 كان أخوه الأكبر في ولاية البراكنة على تماس مع القبائل الزنجية فاستغل  الظروف السياسية و قام بتسليح عصابات للإغارة على الزنوج في الضفة لسلب حيواناتهم و ممتلكاتهم . و بعد ما صارت أخبار غارات عصاباته على كل لسان، أبلغ عنه الجيش و الدرك في عدة برقيات و تم توقيف أنشطته لكنه كان محط إعجاب الشيطان معاوية و لم يستطع أحد محاسبته على تلك الأفعال. و استقبل معاوية استقبالا مبالغا فيه عند زيارته للولاية فسأله حين التقاه : أي خدمة تحب أن أسدي لك؟ فقال له أريد تعيين أخي محمد عبد الرحمن ، فتم تعيينه على رأس شركة صونادير؟
و في سنة 1992 عين محمد عبد الرحمن ولد صيبوط مديرا عاما للخطوط الجوية الموريتانية لنفس الاعتبارات التي ظل يتقلب بين أهم الوظائف في البلد  حتى اليوم إجلالا لها!؟
ـ كان ولد الفلالي مديرا مساعدا منذ زمن السيد سيدي ولد الزين و كان الأخير يمنحه صلاحيات واسعة و ظل كذلك حتى عين مديرا بالوكالة . جرده منها ولد بوخريص بعد موافقته على سلفة غير مستكملة الإجراءات و الأحقية لموظف يدعى جدو ولد أعمر ثم رد له تلك الصلاحيات في ما بعد.
حين جاء ولد صيبوط لم يستقبله ولد الفلالي بروتوكوليا و دخل المؤسسة كشخص عاد يبحث عن مكان مكتبه . استاء صيبوط من عدم استقباله و دخل مواجهة مع فلالي من أول يوم. لم يخصص له فلالي سيارة في الأيام الأولى و بدأت علاقتهما بأعلى درجات التوتر.
بعد أيام أمر ولد صيبوط كل السائقين بالذهاب بسيارات الشركة إلى بيته و ترك فلالي من دون سيارة : ممارسات سوقية تنم عن مستوى الانحطاط الذي وصلت إليه الأمور داخل المؤسسة ، أهم ما يمكن أن نستنتج من خلالها هو أنهم لم يكونوا مهيئين لمثل هذه المهام السامية . و سترون في أكثر من مكان من هذا التقرير كيف انعكس تدني المستوى الأخلاقي و الثقافي و المهني على تسيير هذه المؤسسة المدللة التي تتطلب قيادتها أعلى درجات الانضباط و الصرامة المهنية.. و كيف تحولت في فترة وجيزة من مؤسسة نخبوية عالية المعيارية إلى وسيلة رخيصة لتصفية الحسابات ، نمت فيها عضلة القبلية و الجهوية على حساب أي فضيلة أخرى.
لهذا قررت في هذا التقرير أن أروي ما حدث و هو أمر سهل التبرير و أن أفسره بما يعنيه و هو ما لا بد أن يأخذ بقدر، من الصبغة الذاتية ، التي تعد عيبا كبيرا ، يبعدنا (بقدر) من الموضوعية ، لكنه على المتلقي أن يبحث عن مبرر آخر لما يقومون به ليدرك بنفسه مدى موضوعية تلك الصبغة الذاتية على علاتها. و عليه حين لا يجد تفسيرا لهذا الأمر أو ذاك أن يسأل ، ليتذكر خصوصية موريتانيا الغريبة : كل ما يحدث في هذا البلد مكشوف للجميع و كل ما يدور خلف أكثر ستاراته سرية ، يتناقل بالتفاصيل بين الناس أما ما يحدث في المكاتب و البيوت فهو حديث الجميع اليومي. و لا شك أن القانون الموريتاني (لأنه مسروق من قوانين الآخرين) يعاني من خلل كبير في تعامله مع الشائعة (التي تمثل المرحلة المؤقتة، غير المنقحة للمعلومة) عند الآخرين،  فيما تمثل الحقيقة في حرارتها الأولى عندنا. إن الشائعة عندنا حقيقة تستغرب منطق الأدلة لأنها تمثل أعلى درجات صفاء العفوية . و ليست الفوضوية و الاستهتار عيوب ترتبط بالشائعة عندنا أكثر من حقيقة استهتار و فوضوية من تروي عنهم ، بل سيكون علي أن أذهب إلى حد القول بأن الشائعة تحتل أقرب موقع من الحقيقة في مشهد الحياة اليومي على أرضنا.  
كان القبطان فلالي يحصل على علاوة مدير مساعد و علاوة قبطان . و خلال أحد فحوصه الطبية تبين أنه لم يعد قادرا على ممارسة مهنة القبطان فعلم بها صيبوط من أحد أعداء فلالي و نزع منه علاوة القبطان.
ـ كان رئيس المضيفين أحد أقارب فلالي فجرده منها صيبوط و ضغط على كل أقارب فلالي و أخذ منهم سياراتهم و جردهم من مسؤولياتهم
بدأت المواجهة بينهما بإعلان ولد صيبوط الحرب على أقارب فلالي و أصدقائه في المؤسسة . كان من بين أقرب مقربي فلالي القبطان أوفى فتشاجر معه صيبوط و حين عاد من رحلة إلى أطار من دون النزول في المدينة بسبب عدم ملاءمة الظروف الملاحية، حسب مبرره ، اعتبرها صيبوط ردة فعل فأرسل لجنة تحقيق قالت في تقريرها أنها لم تلاحظ ما قاله القبطان (؟) فأنزل به عقوبة إدارية قاسية و كاد ينهي خدماته لولا تدخل لجنة وساطة بقيادة  المرحوم القبطان سي الذي توفي في طائرة تجكجة، رغم أن التقديرات في هكذا حالات متروكة بالكامل للطيارين و رغم تعقيدات تغلب الأحوال الجوية في الصحراء و رغم أيضا و هي الأهم، بعد ولد صيبوط من المجال و ضوابطه و خطورة تدخله في حيثياته الفنية.
كان ولد صيبوط شديد الاصطدامية بالموظفين و محب للخصومات و يتظاهر بقدر غير لائق من العجرفة و غير مناسب للوظيفة السامية التي يحتلها . عرفت فترته طرد بعض من عينهم فلالي و تعيين طابور من أقاربه . أخذ العديد من الإجراءات تم بموجبها تحسين ظروف العمال بشكل لافت (لأن أكثرهم كان من أقاربه و مقربيه)  لا سيما أنها إجراءات لم كن تتماشى مع ظروف المؤسسة المنهكة حيث وصلت النفقات إلى حد ثقيل على كاهلها و الكثير من هذه النفقات لم يكن مقررا في الميزانية (Non budgétisé).
كان الضغط على القبطان فلالي أهم أولويات ولد صيبوط بل بدا واضحا أنها معركته الوحيدة و همه الأوحد و مشروعه الأوحد الذي تم ترتيب كل الأولويات لخدمته. لم تكن لديه أي رؤية لتسيير المؤسسة التي كانت تحتاج إلى شخصية فذة في عهده الذي وقعت فيه كارثة تجكجة و انخفاض العملة . و قد تم اكتشاف اختفاء المخزون المرتبط بطائرة (Grumman)  في عهده و رفض أن يأخذ فيه أي إجراء بما يشبه التغطية عليه.
و في زمنه تم استصدار قانون منشئ لشركة المطارات (SAM)  بين الدولة و القطاع الخاص (تم فيه ظلم الكثير من العمال) و أصبحت ميزانيتها تأتي عن طريق دفع رسوم على الركاب : يلزم كل راكب (في الداخل) بدفع ضريبة بمبلغ في حدود 160 أوقية و ضريبة (TADE : taxe Aéroport pour Destination Etrangère)  بقيمة 4000 أوقية لكل مسافر إلى الخارج.
كان من اللازم أن تسجل الضريبتين في كل تذكرة و تدمج في تسعيرتها.
لم تقم الشركة بأي من ذلك و احتفظت بالقرار في أدراجها . و بعد عام جاءت الضرائب لأخذ الجباية فوجدوا أن الشركة لم تعمل قط بالقرار و تم احتسابها عليها و دفعتها فكانت ضربة قوية بسبب عدم كفاءة الإدارة و لم تتم معاقبة أية جهة بسبب هذا التقصير الذي كلف المؤسسة مبلغا ضخما بسبب الإهمال في وقت صعب من تاريخها..
ـ و في سنة 1994 تورطت الخطوط الجوية الموريتانية في ما بات يعرف بقضية (MCO) التابعة لأمريكا إيرلانس و هي كوبونات مشتريات لخدمات مختلفة (شراء تذاكر، الإقامة في الفنادق إلى غير ذلك) كان الغرض الأساسي من تسويقها في المنطقة آنذاك تسهيل إجراءات المسافرين لحضور كأس العالم في آتلانتا.
تولت وكالة سفريات سنغالية مهمة تسويق و بيع الكوبونات في المنطقة بترخيص و اعتماد من الشركة الأم . و تولت وكالة (Soprage) بيع كمية من الكوبونات في موريتانيا بتفويض أو شراء من الشركة السنغالية و قام مديرها عبد الله ولد فكناش ببيع كمية منها (قيمة 58 مليون أوقية أو مقابلها من الدولار على الأصح)  للخطوط الجوية الموريتانية التي حولت الكوبونات إلى تذاكر .
قامت الخطوط الجوية الموريتانية بإعداد فاتورة الكوبونات و أرسلتها لأمريكا إيرلاينس . و في قوانين شركات الطيران أن الشركة المطالبة إذا كانت رافضة لا بد أن ترسل إشعارا مكتوبا في مدة زمنية محددة و هو ما لم يحصل هنا مما يعني أن الشركة الأمريكية اعترفت بالأوصال و تلتزم بتسديدها.
حين اكتشف ولد صيبوط الملف جرد المسؤولين عن شراء الكوبونات من مناصبهم و هم :
ـ توري مامادو المدير التجاري
ـ الحافظ ولد أحمد فال المدير المالي
ـ كامارا سامبا المدير التجاري المساعد
و كلف محمدو ولد باله و المصطفى ولد أحمد شريف (الذي وجد مقتولا فوق سطح بيته في ما بعد في قصة هزت نواكشوط) بمتابعة الملف و يقال إن الأخيرين قدما طلبا بأمر من ولد صيبوط للشركة الأمريكية بعدم الاعتراف بالمبلغ في إطار تصفية حسابات بين كوادر المؤسسة ، فرفضت الشركة الأمريكية تسديد المبلغ و تم طرد المدراء الثلاثة لاحقا في زمن ولد ابريد الليل بعد وصول رد الأمريكيين بالرفض. و لكم أن تتصوروا إلى أي حد وصلت تصفية الحسابات حين يقدم مدير على خسارة بهذا الحجم للمؤسسة التي يقودها من أجل معاقبة خيرة كوادرها !؟
نشير هنا إلى أن توري مامادو كان حينها كادرا نشطا في المعارضة .
و هكذا فقدت الخطوط الجوية الموريتانية 58 مليون أوقية في ما يشبه قصص الأطفال أو أحاجي الجدات في إطار تصفية حسابات ما كان لها أن تحدث لولا تلك التعيينات العبثية التي أتت بشخصيات لا خبرة لها و لا إحساس لها بالمسؤولية و أمرتهم على نخبة فنية متمكنة ما كان يمكن أن تتعايش مع ما أتوا به من فوضى و ما أتـى بهم من سوء حظ.
و قد وجد ولد صيبوط دياغانا امبو (أستاذ ثانوي للفيزياء)  مديرا لرقابة التسيير . و حين عين   صو دينا وزيرا للنقل انتهز ولد صيبوط الفرصة لفبركة مقايضة ذكية : فاقترح خلع فيلالي و تعيين صديقه الحميم محمد ولد عبدي مديرا عاما مساعدا (في مكان فيلالي) و مع شغور منصب محمد ولد عبدي  يتم تعيين دياغانا امبو في مكانه مديرا ماليا و إداريا. نشير هنا إلى أن دياغانا امبو نسيب صو دينا.
و حين جاء ولد ابريد الليل الذي كان يحتاج أكثر من غيره إلى ثقة الوصاية، اكتشف أن أفضل عربون يمكن أن يقدمه للوزير هو تعيين دياغانا امبو ، فانتهز فرصة ضرب العصفورين بحجر واحد من خلال تعيين دياغانا امبو مديرا عاما مساعادا كرشوة للوزير و تحييد صديق ولد صيبوط الأول  محمد ولد عبدي تتويجا لحملته غامضة الأسرار على كوادر إدوعلي الذين قام بطرد 17 منهم دفعة واحدة من وظائفهم في الخطوط الجوية و  أبعدهم عن كل مراكز النفوذ التي كانوا يتواجدون فيها بكثرة . و ستجد تصرفات ولد ابريد الليل تفسيرها الأعمق في هذا الاتجاه بعدما أصبح راسبوتين البلاط و مستشاره الأول!؟ و هكذا نجد أن ولد ابريد الليل قام هو الآخر، تماما كما فعل ولد صيبوط تجاه أقارب فيلالي، بحملة على إدوعلي ، أصبحت فيها تصفية الحسابات تحتل أولويات المؤسسة و منطقها يؤسس لتوجهاتها الجديدة في برنامج ولد ابريد الليل الثوري الذي كان حفل توديع ولد ضيبوط عقدته الأكبر و تحكم رقيب الشرطة (السابق) الشيخ ولد معطل وصمة عاره التي لا تندمل جراح خجلها.
و توغلا في التفاصيل، و (تفاديا للعار) حرصا على نقل الصورة الكاملة لكل ما حصل في هذه الفترة عجيبة السخافة :  أقام من عينهم ولد صيبوط و من أغدق عليهم بالعطايا و من حكمهم دون وجه حق في تسيير المؤسسة ، حفلا توديعيا ضخما ، اعتبره ولد ابريد الليل تحديا له، لا سيما أن أغلب هؤلاء من خارج المؤسسة : كان ولد بوخريص قد أتى برقيب شرطة، لا يتمتع بأي صفة : لا عقد عمل و لا عقد خدمات ، أوكل إليه مهمة تفتيش التذاكر و لوائح المسافرين . و حين جاء ولد صيبوط أضاف إليه أربعين (40) شخصا من أقاربه كوكلاء أمن (؟) ، ظلوا يتقاضون تعويضات خيالية من دون أن يتمتعوا بأي صفة قانونية ، كانوا يقومون بابتزاز الموظفين عن طريق علاقتهم بالمدير و يسرحون و يمرحون في مكاتب المؤسسة من دون أي عمل محدد.
و في حين ترك ولد صيبوط المؤسسة على حافة الإفلاس بسبب سوء التسيير و النفقات الإضافية و فوضى الإدارة ، فكان على ولد ابريد الليل الحد من هذه الأمور كإجراء أولي و هو أمر في منتهى السهولة لأنها عيوب دخيلة على الإدارة لا تتطلب أكثر من إرادة صادقة لإيقاف نزيف فوضاها، قام الأخير عكس المتوقع و (تفاديا للعار) بزيادة طابور وكلاء الأمن بشكل مضاعف و جاء برقيب سابق من الشرطة من أسماسيد فرضه عليه المفوض دداهي تحت اسم الشيخ ولد معطل ، أعطاه صلاحيات بلا حدود حتى أصبح يحق له الاطلاع على كل الوثائق و استدعاء أي شخص مهما كانت مكانته في المؤسسة، أصبح بموجبها الجميع يرتعد منه  من مدراء سامين و غير هم . و  على الرغم من أنه لا يتمتع بأي صفة رسمية تخوله حتى دخول مكاتب الشركة ، لا عقد عمل و لا عقد تعاون و لا أي شيء آخر إلا أن ولد ابريد الليل ذهب إلى حد تعيينه نائب مدير إداري بقرار رسمي ؟ و تحت إشراف الأخير الذي أوكلت إليه مهمة تدقيق مطابقة الأسماء على التذاكر مع لوائح الرحلات و بتواطؤ مع الطواقم الفنية للرحلات أصبحت الطائرات تغادر مكتملة الركاب و يأتي في محضر الرحلة أنها ذهبت بعشر أشخاص ليتم الاحتواء على الفارق، كما أصبحت تذاكر الخطوط الجوية الموريتانية تباع في الأسواق عند كل من هب و دب.و في إطار هذه العملية التي ما كان يمكن أن تتم من دون تواطؤ الأطقم الفنية على متن الرحلات التي توقع تلك المحاضر، وقع ولد ابريد الليل في مواجهة مفتوحة مع الطيارين، فهمش بعضهم و استبدل بعضهم و أعطى امتيازات خرافية لبعضهم على معايير محسوبية مكشوفة أصبح الجميع يتحدث عن تفاصيلها.
فوضى لا حدود لها ، انتهت بتصرف غريب من ولد ابريد الليل : ففجأة و دون سابق إنذار، أصبح الشرطي ولد معطل نائب مدير إداري يسير كل شيء و اختفى ولد ابريد الليل؟
أصبح يأتي مكتبه مرة في الأسبوع ، ثم مرة في الشهر حتى تم تعيين خلفه.
يمكن كاريكاتيريا، أن نقول إن الخطوط الجوية الموريتانية ماتت سريريا على يد ولد صيبوط و أن ولد ابريد الليل تولى التمثيل في جثمانها بأقل قدر من رحمة. و أن جميع من تولوا إدارتها بعد السيد المحترم سيدي ولد الزين ارتكبوا جرائم مالية بشعة لا تسقط بالتقادم و يجب أن يحاكموا على أساسها بلا رحمة.
لقد بدأت هذا التحقيق بمرحلة قيادة السيد سيدي ولد الزين للمؤسسة لأن من جاؤوا قبله (و كانوا نخبة حقيقية) لم يكن أي منهم يملك وسائل طموح المؤسسة فقادوها بطرق نموذجية في أفق تسده وسائل لا ذنب لهم في عدم توفرها و انتهيت عند ولد ابريد الليل لأن من جاؤوا بعده (و لم يكن فيهم غير مفسد بقدر) ما كان بيد أي منهم حتى لو كان السيد سيدي ولد الزين نفسه أن يعيد محرك الحياة فيها إلى الدوران في غياب إرادة صادقة من السلطة لإعادة الحياة إليها. و قد أردت أن أتوقف عند هذا الحد لتسجيل موقف مفاده أن هذه هي كانت النهاية الحقيقة (مثل إنزال النورماندي) للخطوط الجوية الموريتانية : لا لأنها لم تعد تملك طائرات و لا لأي سبب مادي آخر و إنما لأنها فقدت ما لا يمكن أن تسير أي شركة طيران من دونه و هو ثقافة المهنة : الالتزام و الدقة و الصرامة و الانضباط و الشفافية. و قد تستطيع موريتانيا أن تنتج قنبلة نووية في العقود القادمة لكنها لن تستطيع مهما عملت أن تسير شركة طيران أكثر من عامين أو ثلاثة ما لم تعلن حربا لا هوادة فيها على الفساد تصل فيها أصغر العقوبات إلى مصادرة الممتلكات و المؤبد مع الأعمال الشاقة و القتل.  كل ما حصل بعد ولد ابريد الليل كان نتيجة حتمية لأن المؤسسة لا يمكن أن ترفض الموت بعد قتلها. و لم أقصد من هذا تبريئة أي ممن عينوا على جثة الخطوط الجوية الموريتانية لكن هذا الجزء من التقرير يقتصر على فترة حياتها و قد ماتت سريريا على يد ولد ابريد الليل على أن أبدأ الجزء الثاني منه أي مرحلة العبث بميراث المؤسسة الذي كان موضع تلاعب مماثل من قبل مجموعة مفسدين آخرين كان لكل منهم دور في تبديد تلك الثروة الكبيرة و تلك التقاليد الأهم.

ملاحظة

لقد أخرت هذه الملاحظة لتبقى في الأذهان و لأن ما حصل فيها لا يمكن أن يكون عملا نهائيا و لا بد لأصحاب الحقوق فيها أن يعودوا بها إلى المحاكم المحلية و الدولية لأنها تتمتع بالبعدين، فشركة سمار لم تكن سوى وسيط في عملية التأمين التي كانت تتولاها شركة بريطانية لا بد أنها دفعت مبالغ ضخمة لمن توفوا في طائرة تجكجة ليتم التحايل عليها من قبل المسؤولين عن الملف من الطرف الموريتاني كعادتهم. إن التعويض الذي شمل كل من توفوا في هذه الطائرة لا يصل إلى ما يدفع في أوروبا لشخص واحد الذي يعتبر أقله 140.000 أورو أي حوالي 56.000.000 أوقية ، على الرغم من أن موريتانيا توقع على العديد من الاتفاقيات الدولية للطيران بما فيها اتفاقية 12 أكتوبر 1929 في فارسوفي ، الموحدة لقواعد النقل الجوي الدولي و ما تم عليها من تعديلات لاحقة التي لولاها لما كان يحق لخطوط الجوية الموريتانية  أن تحمل أجانب و لا حتى مواطنين  أو أن تنزل طائراتها في المطارات الدولية و لو كان فرنسي أو آلماني مات في طائرة تجكجة لما دفعت  الخطوط الجوية الموريتانية لذويه أقل من 300 مليون أوقية ، إذا ثبت عدم تقصير الشركة في وسائل السلامة و هو أمر ما كانت تستطيع أن تثبته أو حتى تتكلم عن وجود أي منها إلا أمامنا نحن : لا سيارات إطفاء، لا إضاءة على امتداد المدرج ، لا برج مراقبة ، لا وسائل للمساعدة في تفريغ الطائرة من الركاب بسرعة إذا انزلقت عن المدرج و اشتعلت فيها النيران و تتضاعف مبالغ التعويض في قوانين الطيران بشكل خيالي إذا كان هناك أي تقصير من الشركة على مستوى شروط السلامة؛ حتى إشارات الطيران البدائية مثل بالونات تحديد اتجاه الريح لم تعد موجودة في المطارات الداخلية و أجهزة قياس سرعتها لم تعد موجودة. و مع كل هذا يقوم ولد صيبوط  بطرد طيارين يتحدون الموت إذا عاد أحدهم من دون النزول حفاظا على سلامة الركاب !؟ و يقال  اليوم (خلف الستار) إن الأحوال الجوية كانت غائمة يومها في تجكجة لكن ردة فعل المدير  ولد صيبوط على زميلهما القبطان أوفى هي ما أرغمت القبطان سي و مساعده دياغانا على النزول في تلك الظروف تفاديا لمصير مماثل فكانت الكارثة!؟
يجب أن تتم إعادة النظر في هذا الملف لأن شركة التأمين ما زالت موجودة و على من ورثوها غلة بأقل من أوقية واحدة أن يتحملوا مسؤولياتهم في ما يترتب على اغتصابها من تبعات هي الأخرى كما أن شركة الويدز اينترناشيونال المؤمنة للطائرة موجودة و يمكن بسهولة معرفة ما دفعت للضحايا مما تحايل عليه المسؤولون الموريتانيون لا بارك الله لهم في ما ينهبون : حتى حقوق الموتى ؟
و أقل شروط السلامة و أكثرها بديهية هو أن لا تحمل الطائرة فوق سعتها و هو ما لم تلتزم به الشركة أيضا ، التي حاولت تدارك الموقف بادعاء أن بعض الركاب كانوا أطفالا رضعا. و تتسع الطائرة ل 79 راكبا فيما كان على متنها 93 من أناس يعرفهم الجميع  بالأسماء و الأعمار ؟
إن ما يحدث في هذا البلد يتجاوز كل شطط الخيال.
و عبور مثل هذه الجرائم من دون عقوبة ، قضية لا نعرف في مصلحة من ؟
و سكوت أصحاب الحقوق لا ندري هل هو استسلام لطغيان الظلم أو جهل للحقوق أو عبث هو الآخر ضاقت الأرض عن الاتساع لنثر شظاياه!؟

سيأتيكم الجزء الثاني من هذا التحقيق في وقت لاحق


عدد القراء:156



رمز الحماية
الرجاء كتابة الحروف الظاهرة في الصورة