نافذة نفتحها للقراء لتقديم أفكار للنقاش، نأخذ في كل مرة إحداها و نطلب منهم المشاركة بأفكارهم حول موضوعها

فاجأتني القبلية والجهوية البغيضة التي غاص في مستنقعها مجموعة ممن يسمون أنفسهم بمثقفي هذا البلد، أسال كل منهم حبر مداده مدافعا عن حيز العشيرة وتخوم القبيلة مستحضرين في ذلك تاريخا بطوليا حسب زعمهم وأمجادا أسطورية لا توجد إلا في مخيلاتهم المهلوسة.
بأي تاريخ تعتزون؟ تاريخ السيبة في بلاد السيبة حيث يأكل القوي الضعيف؟ أم عن مدعين لنشر العلم رغم أنه ظل حكرا علي مجموعة معينة وأبنائها ونادرا ما كانوا يشركون فيه أتباعهم الذين عانوا قرونا من الجهل بأبسط أمور دينهم، بل كانوا ضحية وهم عدم قابليتهم للتعلم؟
ألم يحن الوقت لنتخلص من القبلية وتمجيد أجداد ما عليهم أكثر مما لهم؟ ألا تستحون وأنتم في القرن الواحد والعشرين أنكم تعيشون في مجتمع لا يزال يكرس الطبقية والعبودية، وبعض أفراده يفتخر بدماء نبيلة، وقد بلغ الغلو في هذا والتفاخر حتى أنه من النادر اختلاط هذه المجموعات فيما بينها، فكلها تدعي أن الأرض خلقت من بركتها وأنهم يفوقون العالم مجدا وسؤددا .
أفيقوا أيها الحالمون عن أي مجد تتحدثون؟ ألأن أحدكم ألف حاشية علي متن عالم شرحا لكتاب معين؟ عن أي كرم تتحدثون؟ ألستم أنتم من كان أجدادكم يستعبدون الناس ويحتقرون الإنسان ويحسنون وفادته فقط إذا كان ابن فلان ! مجتمع المغني فيه يورث، والصانع فيه يمتهن، والراعي فيه يرمي بالوضاعة، والعبيد حدث عنهم ولا حرج، أما البقية من غير المنتجين فهم من يتقلب في النعيم، مجتمع غريب يحتقر كل من يساهم في الإنتاج ويمجد الكسالى.
بدل الاعتذار عن ما فعله أجدادكم بقوة السيف وسلطان الدين تتفاخرون –وعلنا- بهذا الإرث؟ أليس الأحري بمثقفين مثلكم أن يساهموا في رفع الظلم التاريخي عن آزناكه والمعلمين والعبيد وإيكاون لا أن يكونوا أبواقا جهويين وقبليين! ففقط برفع هذا الظلم يمكن لأمتنا أن تحتل مكانة محترمة في مصاف الأمم، بدل بقائها تجتر الأوهام حول ماض قدسناه إرضاء لغرورنا قبل أن ينتهي الحال بالكثير منا الى التصديق بأنه فعلا مقدس.
باختصار، لا يحمل التاريخ البعيد ولا القريب لسكان هذا المنكب من مآثر ما يحمل على التنافس لاستئثار البعض ببعضها دون البعض الآخر، فانكفئوا على أنفسكم واتركونا من الانقسامية المدمرة فما لهذا نحتاج اليوم.